"وصلُ ما انقطع بين الصحراء والبحر"

  • نشرُ بـ: 24 مايو 2026
  • التصنيف: ثقافة وفنون
"وصلُ ما انقطع بين الصحراء والبحر"



ازدهر النشاط التجاري في الساحل الليبي منذ القرن السابع عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر، وتحولت المدن والواحات الساحلية كطرابلس وزليتن ومصراتة وبنغازي ودرنة إلى مراكز تجارية عالمية تغص بالتجار من جنسيات عدة، على أرصفة الموانئ كان التجار من مالطا واليونان والبندقية وتوسكانيا وكورسيكا و ليفورنو وصقلية والبرتغال وأسبانيا، يشرفون على شحن بضائعهم أو يستقبلونها من السفن القادمة من الشمال، وكان هذا النشاط التجاري من بين الأسباب التي شجعت ممالك أوروبا على إقامة العلاقات الدبلوماسية وفتح القنصليات بطرابلس، وتقديم الهدايا للوالي في المناسبات المختلفة للحصول على إعفاءات جمركية لتجارهم.

التجارة بين ضفتي المتوسط ضاربة في جذور التاريخ، ولم تبدأ في القرون الأخيرة، بل منذ مجئ الفنيقيين ثم الاغريق والرومان نشأ التبادل التجاري بين شعوب الحوض البحري، ولكنه منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر باتت أكثر تنظيما وتنوعا في السلع المتبادلة، وفرضت هذه التجارة الاستقرار في المحطات البحرية حتى صارت مراكز جذب فتطورت إلى مدن كبيرة، تتوفر فيها سائر الخدمات المطلوبة للحركة التجارية.

شكلت هذه التجارة البرية البحرية عبر الصحراء الكبرى والبحر المتوسط موردا ماليا هاما للبلاد، لذلك أهتم بها الولاة وعملوا على توطيد سلطة الدولة لكي يستبب الأمن وتتحرك القوافل بين مدن الساحل الليبي والممالك الافريقية في طرق ومسارات آمنة، وأسسوا الأساطيل البحرية لحماية هذه التجارة وممارسة القرصنة، لدفع الدول الأوربية إلى دفع الأتاوات نظير العبور الأمن قبالة شواطئ الإيالة وقد ورد بالمصادر التاريخية الكثير من التفاصيل عن هذه التجارة، مثل السلع الواردة والمصدرة، واسماء التجار، والامتيازات التي منحها الولاة للتجار مثل حق الاقامة، وحق التنقل والبيع والشراء في كل أنحاء الولاية، بالإضافة إلى الرعاية والمتابعة التي وفرتها قنصلياتهم لهم.

ثمة عوامل عدة أسهمت في تراجع هذه التجارة بعد قرون من الازدهار، أبرزها استعمار القارة الأفريقية واحتكار المستعمر للإنتاج المحلي في الممالك الافريقية، وتحول طرق التجارة إلى غرب القارة والتصدير إلى أوروبا عبر المحيط الاطلسي، والاضطرابات السياسية في ليبيا في أواخر العهد العثماني الثاني، وصولا إلى استعمار ايطاليا لليبيا.

عقب الحرب العالمية الثانية واستقلال ليبيا، كانت البلاد منهكة على كل المستويات بسبب الحرب، و حين بدأت تستعيد عافيتها شيئا فشيئا تدفق في صحرائها النفط بكميات تسمح بالتصدير، ما دفع عجلة التنمية خطوات واسعة إلى الأمام، وتمكنت البلاد بفضل هذه الثروة من وضع أسس دولة واعدة بالرفاه، ولكن بقدر ما كان للنفط الفضل في نهضة البلاد خلال الزمن الملكي، كانت له جوانب سلبية على المستوى الاقتصادي، إذ تحول اقتصاد البلاد إلى اقتصاد ريعي يعتمد على عائدات النفط، فقضى على الإنتاج المحلي الضعيف أصلا، وتحول الناس إلى موظفين يتقاضون مرتبات لا يقدمون ما يكافئها من إنتاج، وتراجعت الصناعات المحلية الصغيرة حتى انتهت تماما، و بالإجراءات الاشتراكية التي اعتمدها النظام الجماهيري انتهى دور القطاع الخاص في تنمية الاقتصاد المحلي.

لم ترد في خطط و التحول التنموية إجراءات استراتيجية باستغلال موارد البلاد لتنويع مصادر الدخل، لذلك ليس ثمة مبالغة في القول أن أغلب ما وفرته عوائد النفط أهدر في الاستهلاك والفساد وفي مشاريع دعائية سياسية، ومغامرات خارجية غير مسؤولة، فلم تكن ثمة حاجة حقيقية لتطوير الموارد باعتبار أن النفط يغطي الموازنة العامة، مع فائض يراكم الاحتياطي النقدي.

لكن النفط سيؤول في النهاية إلى النضوب، ومع التقدم العلمي وتحدي البيئة سيجد العالم المتقدم بدائل أقل تكلفة وأكثر ملائمة للبيئة، ومن ثم ستنخفض قيمة النفط، وهنا ستجد الدول الريعية التي شيدت اقتصادها على الموارد الطبيعية في مأزق حقيقي، وتحدي يفرض عليها تدارك الزمن وتأسيس اقتصاد بديل، بعد اضاعتها فرصة الاستعداد مبكرا لهذا التحول في مصادر الطاقة، تفاديا لأي أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية ناتجة عن تراجع قيمة النفط عالميا.

الاستدراك ممكن. والوصول متأخرا أفضل من عدم الوصول، فمع التأكيد بأن الصناديق السيادية خطوة نحو تنويع مصادر الدخل، ولكن ثمة عيوب وثغرات لا يمكن أو يصعب تلافيها، كوقوعها في فخ التجميد زمن الاضطرابات السياسية، لأن التحكم فيها ليس محليا خالصا، وهي عرضة للنهب عند تولي مسؤوليتها من حكومات فاسدة، أو تأميم أصولها في الدول غير المستقرة.

الاستثمار الحقيقي والمضمون هو المندمج مع الاقتصاد الدولي، بشراكة تخضع أصولها بقدر كبير للسيطرة المحلية، تمكن مؤسسات البلاد الاقتصادية أن تصبح طرفا فاعلا ورقما لا يمكن تجاوزه في المعادلة الاقتصادية، وهذا متاح عبر الشراكات الاقتصادية بفتح فروع للصناعات العالمية، وتوفير البيئة المناسبة لها وفقا للمعايير المطلوبة، لجذب المستثمرين، وتطوير المنتج المحلي من السلع الغذائية إلى مستويات التصدير كزيت الزيتون والتمور، وتأسيس المناطق الحرة للدخول إلى سلاسل الإمدادات العالمية، ونحن هنا لا نخترع العجلة، ولا نبدأ من الصفر، بل نصل ما انقطع، ونعيد الحياة والاعتبار لنشاط تجاري بلغنا فيها قمة عالية، لأن لدينا ماض ضخم في هذه التجارة كوسيط بين أوروبا وأفريقيا، كما سردنا في مقدمة هذا المقال، نحن نملك البنية التحتية لهذه التجارة، الموانئ ومناطقها الحرة، و مطارات الشحن، وطرق المواصلات برا وجوا، ولكنها بحاجة إلى تطوير وإضافات، و سوف تساهم عقود المنطقة الحرة مع المستثمرين الدوليين في الدفع نحو تطوير هذه البنية، بتأسيس منطقة حرة في الحدود الجنوبية، ومطارات شحن تربط بين الساحل وجنوب الصحراء لضمان السرعة في النقل، لأن السرعة من معايير الجودة في الاقتصاديات المعاصرة، وهذا ما نأمله في الخطوات القادمة بعد الخطوة الأساسية بتوقيع عقود تطوير المنطقة الحرة وزيادة مساحة استقبال الحاويات، ورفع قدرة الميناء بزيادة العمق ومد الأرصفة لتستقبل الناقلات الكبيرة، وتطوير آليات الشحن والتفريغ، وتسهيل الإجراءات للمستثمرين لتكون البيئة الاستثمارية أكثر جاذبية وموثوقية.

"عبدالله الكبير"